محمد متولي الشعراوي
1184
تفسير الشعراوي
يسر ورخاء وغنى ؟ ربما لو كان فقيرا لقلنا طلبا للسعة ، فلماذا خرج من هذا المكان وهو واجد ، وهو على هذا الحال من اليسر ؟ إنهم لم يفطنوا إلى أن اللّه الذي خلق الخلق يدير كونه بتسخير وتوجيه الخواطر التي تخطر في أذهان الناس ، فتجد مكانه قد نبا به ، وامتلأت نفسه بالقلق ، واختار أن يذهب إلى مكان آخر . ولو أن عندنا أجهزة إحصائية دقيقة وحسبنا المحتاجين في البيئة التي انتقل منها لوجدنا قدرا من المال زائدا على حاجة الذين يعيشون في هذه البيئة ؛ فوجهه اللّه إلى مكان آخر يحتاج إلى مثل هذا الكم منه . وهكذا تجد التبادل منظما . فإن رأيت إنسانا محتاجا أو إنسانا يريد أن يرابى فاعلم أن هناك تقصيرا في حق اللّه المعلوم ، ولا أقول في الحق غير المعلوم . أي أن الغنى بخل بما يجب عليه إنفاقه للمحتاج . والقرآن حين يواجه هذه المسألة فهو يواجهها مواجهة تبشّع العمل الربوي تبشيعا يجعل النفس الإنسانية المستقيمة التكوين تنفر منه فيقول سبحانه وتعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 275 ] الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 275 ) وانظر إلى كلمة « يأكلون » ، هل كل حاجات الحياة أكل ؟ لا ، فحاجات الحياة كثيرة ، الأكل بعضها ، ولكن الأكل أهم شئ فيها ؛ لأنه وسيلة استبقاء النفس . و « الربا » هو الأمر الزائد ، وما دام هو الأمر الزائد يعنى هو لا يحتاج أن يأكل ، فهذا